في جزائرية، تجتمع كل الأمة



أهلا و سهلا بك بيننا، نتمنى أن تستفيد و تفيد، و لا تنسى

قال الله تعالى:* مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *
في جزائرية، تجتمع كل الأمة
منتدى ليلة العمر تجدين فيه كل المواضيع و الأفكار الخاصة بتحضير حفل زفاف متألق زوروه الآن على http://lilat-3omr.ahlamontada.com

    بحث حول علامة مسلم ادخلي واختاري

    شاطر
    avatar
    dina
    مراقب
    مراقب

    الرتبة : مراقبة منتدى الإعدادي و الإبتدائي

    انثى

    مكان الإقامة : الجزائر

    العمر : 22

    المساهمات : 46

    التقييم : 5479

    السٌّمعَة : 2

    تاريخ التسجيل : 13/05/2010

    بيان بحث حول علامة مسلم ادخلي واختاري

    مُساهمة من طرف dina في 2010-05-15, 18:01

    أبو علي محمد بن الحسن ابن الهيثم (965 - 1039)
    ابن الهيثم من أعظم علماء العرب في البصريات، والرياضيات، والطبيعيات، والطب، والفلسفة، وله إسهامات مهمة فيها.

    المولد والنشأة

    في البصرة كان مولد أبي علي الحسن بن الهيثم سنة (354هـ= 965م)، وبها نشأ وتعلم، ولا يعرف شيء عن نشأته الأولى سوى أنه عاش في فترة مزدهرة، ظهر فيها أساطين العلم في الفلسفة والطب والكيمياء والرياضيات والفلك، فجذبته هذه العلوم فأقبل عليها بهمة لا تعرف الكلل وعزيمة لا يتطرق إليها وهن، فقرأ ما وقع تحت يديه من كتب المتقدمين والمتأخرين، ولم يكتفِ بالاطلاع عليها والقراءة فيها، وإنما عني بتخليصها ووضع مذكرات ورسائل في موضوعات تلك العلوم وظل مشتغلا بهذه العلوم، وبالتصنيف فيها فترة طويلة حتى ذاعت شهرته، وسمع بها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فتاقت نفسه إلى الاستعانة به، وزاد من رغبته ما نمي إليه ما يقوله ابن الهيثم: "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص"، وكان ابن الهيثم في هذه الفترة قد تجاوز الستين من عمره، اشتهر في العالم الإسلامي باعتباره عالمًا في الهندسة له فيها آراء واجتهادات.

    في القاهرة

    رغّب الحاكم إلى ابن الهيثم الحضور إلى مصر والاستقرار فيها، فلما وصل أكرمه، وطلب منه تنفيذ ما قاله بخصوص النيل، فذهب الحسن إلى أسوان ومعه جماعة من الصناع المحترفين في أعمال البناء ليستعين بهم على تنفيذ فكرته التي خطرت له، غير أنه لما عاين الموقع الذي اختاره لتنفيذ مشروعه وجده لا يصلح مع ما فكر فيه، وأن تنفيذه يكاد يكون مستحيلا، فبناء جسم على النيل في ذلك الوقت تفوق إمكانات عصره وفوق طاقة رجاله، فعاد الحسن بن الهيثم خجلا إلى القاهرة، واعتذر للخليفة الحاكم، فتظاهر بقبول عذره، وولاه بعض الدواوين، فتولاها ابن الهيثم رهبة لا رغبة، ولو أنصف الحاكم لجعله في زمرة من جمعهم من العلماء في دار الحكمة ولصرفه عن الوظيفة، فما كان لمثله أن يصلح لهذا العمل، وهو الذي اعتاد حياة البحث والدراسة.

    غير أن توليه هذا المنصب لم يكن ليجعله في مأمن من نزوات الحاكم الطائشة، وهو متقلب المزاج، سريع البطش والعقاب، وخشي ابن الهيثم من هذه التقلبات، وفي الوقت نفسه لم يكن قادرًا على التخلي عن عمله والانسحاب منه؛ خوفًا من غدر الحاكم بأمر الله، فلم يجد وسيلة للتخلص مما فيه إلا ادعاء الجنون وإظهار البله والعته، فلما بلغ الحاكم ذلك عزله عن منصبه وصادر أمواله، وأمر بحبسه في منزله، وجعل عليه من يخدمه، وظل العالم النابه على هذه الحالة التعسة حتى تُوفي الحاكم بأمر الله، فعاد إلى الظهور والاشتغال بالعلم، واستوطن دارًا بالقرب من الجامع الأزهر، وأقام بالقاهرة مشتغلا بالعلم والتصنيف ونسخ الكتب القديمة حتى توفي سنة (430هـ= 1038م) تقريبًا.

    نشاطه العلمي واكتشافاته:

    إسهاماته في البصريات:

    يعترف المؤرخون الغربيون بأهمية ابن الهيثم في تطوير علم البصريات، فأرنولد في كتاب " تراث الإسلام"، قال >إن علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم<، أما سارطون فقال : >إن ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند المسلمين في علم الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن أعظم علماء البصريات القليلين المشهورين في كل زمن، وأنه كان أيضاً فلكياً، ورياضياً، وطبيباً<. أما دائرة المعارف البريطانية، فقد وصفته بأنه رائد علم البصريات بعد بطليموس.

    وابن الهيثم هو أول من قال بأن العدسة المحدبة ترى الأشياء أكبر مما هي عليه. وأول من شرح تركيب العين ووضح أجزاءها بالرسوم وأعطاها أسماء أخذها عنه الغربيون وترجموها إلى لغاتهم، ما زالت مستعملة حتى الآن. ومن ذلك مثلاً الشبكية Retina، والقرنية (Cornea)، والسائل الزجاجي (Viteous Humour، والسائل المائي( (Aqueous Humour). كما أنه ترك بحوثاً في تكبير العدسات مهدت لاستعمال العدسات في إصلاح عيوب العين.

    وتوصل ابن الهيثم إلى أن الرؤية تنشأ من انبعاث الأشعة من الجسم إلى العين التي تخترقها الأشعة، فترسم على الشبكية وينتقل الأثر من الشبكية إلى الدماغ بواسطة عصب الرؤية، فتتكون الصورة المرئية للجسم. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي. كما بحث في الضوء والألوان والانعكاسات الضوئية على بعض التجارب في قياس الزوايا المحدثة والانعكاسية. ويعدّه بعض الباحثين رائد علم الضوء.

    إسهاماته في الرياضيات:

    كان ابن الهيثم رياضياً بارعاً، فقد طبق الهندسة والمعادلات والأرقام في حل المسائل الفلكية. كما حل معادلات تكعيبية وأعطى قوانين صحيحة لمساحات الكرة، والهرم، والأسطوانة المائلة، والقطاع الدائر، والقطعة الدائرية.

    إسهاماته في الفلك:

    اهتم ابن الهيثم بالفلك، وكتب فيه عدداً من الكتب وقام بعدد من الأرصاد. ومن أهم إسهاماته في علم الفلك : توصله إلى طريقة جديدة لتحديد ارتفاع القطب، فقد وضع نظرية عن تحركات الكواكب ؛ ولايزال أثر هذه النظرية قائماً حتى الآن، حيث توجد في ضواحي فينا بالنمسا طاولة صنعت بألمانيا سنة 1428 وعليها رسم لحركات كواكب سيارة حسب نظرية ابن الهيثم. واكتشف ابن الهيثم أن كل الأجسام السماوية، بما فيها النجوم الثابتة، لها أشعة خاصة ترسلها، ما عدا القمر الذي يأخذ نوره من الشمس.
    مؤلفاته:

    ترك ابن الهيثم تراثاً علميا غنياً في مختلف العلوم، ومن أهم ما ألفه :

    ــ "كتاب المناظر" : يشتمل الكتاب على بحوث في الضوء، وتشريح العين، والرؤية. وقد أحدث الكتاب انقلاباً في علم البصريات، وكان له أثر كبير في معارف الغربيين (روجر بيكون و كيبلر)، وظلوا يعتمدون عليه لعدة قرون، إذ تمت ترجمته إلى اللاتينية مرات عديدة في القرون الوسطى. ويشتمل الكتاب على سبع مقالات، حقق منها عبد الحميد صبرة المقالة الأولى والثالثة ونشرهما في كتاب سنة 1983 بالكويت. كما أن الدكتور رشدي راشد حقق المقالة السابعة في كتابه "علم الهندسة والمناظر في القرن الرابع الهجري"، المطبوع في بيروت سنة 1996. وتوجد مخطوطات كاملة من الكتاب أو لبعض مقالاته، في العديد من المكتبات، خاصة باستانبول بتركيا.

    ــ "حل شكوك أقليدس" ؛

    ــ "مقالة الشكوك على بطليموس" ؛

    ــ "كتاب شرح أصول إقليدس في الهندسة والعدد" ؛

    ــ "كتاب الجامع في أصول الحساب" ؛

    ــ "كتاب في تحليل المسائل الهندسية".

    ويذكر أن ابن الهيثم صنَّف ثمانين كتاباً ورسالة في الفلك شرح فيها سير الكواكب، والقمر، والأجرام السماوية، وأبعادها.

    وقد كان لترجمة بعض كتب ابن الهيثم إلى اللاتينية، تأثير كبير على علماء الغرب من أمثال كبلر، وفرنسيس بيكون. ويؤكد مصطفى نظيف أن ابن الهيثم سبق"فرنسيس بيكون" في وضع المنهج التجريبي القائم على المشاهدة والتجربة والاستقراء. كما يقول عباس محمود العقاد في كتابه "أثر العرب في الحضارة الأوربية" إن ترجمة كتب ابن الهيثم كان عليها معول الأوربيين اللاحقين جميعاً في البصريات.
    انتقال أعماله إلى أوربا:

    وقد عني كمال الدين الفارسي ببحوث ابن الهيثم في البصريات ودرسها دراسة وافية وألف في ذلك كتابه المعروف "تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر"، وعن طريق هذا الكتاب عرفت أوروبا الكثير عن ابن الهيثم وأعماله وجهوده في علم الضوء، حيث نشر هذا الكتاب مترجمًا في مدينة بال بسويسرا سنة (980هـ= 1572)، وإن كان قد سبق نشره قبل اختراع الطباعة من قبل "جيرار دي كريمونا" أشهر المترجمين في إسبانيا، الذي اهتم بإنشاء أضخم مجموعة فلكية سنة (676هـ= 1277م) عن العلماء العرب، وهذه الكتب استفادت منها إسبانيا والبرتغال في رحلاتهما البحرية في المحيط الأطلنطي بفضل الأزياج الفلكية (الجداول الفلكية) والمعلومات الرياضية التي خلفها العلماء العرب.

    وعن طريق هذه الترجمات لأعمال ابن الهيثم تأثر روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو في بحوثهم، فكتاب جون بكان الموسوم بالمنظور ليس إلا اقتباسًا ناقصًا من كتاب ابن الهيثم في البصريات، وأما كتاب فيتلو الذي ألفه سنة (669هـ= 1270م) فمأخوذ في قسم كبير منه عن ابن الهيثم، ولا يتجاوز النتائج التي وصل إليها.

    يتبع مع علامة جديد قريبا
    avatar
    dina
    مراقب
    مراقب

    الرتبة : مراقبة منتدى الإعدادي و الإبتدائي

    انثى

    مكان الإقامة : الجزائر

    العمر : 22

    المساهمات : 46

    التقييم : 5479

    السٌّمعَة : 2

    تاريخ التسجيل : 13/05/2010

    بيان جابر بن حيان

    مُساهمة من طرف dina في 2010-05-18, 23:40

    ترتبط نشأة الكيمياء عند العرب بشخصية أسطورية أحياناً وتاريخية حيناً آخر، هي شخصية جابر بن حيان، ونستنتج من خلال الكتب التي تحمل اسمه أنه من أشهر الكيميائيين العرب، ويعدّ الممثل الأول للكيمياء العربية.



    أصلــــــــــــــــه
    هو أبو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي ، ولد على أشهر الروايات في سنة 101هـ ( 721 م ) وقيل أيضاً 117هـ (737م) ، وقد اختلفت الروايات على تحديد أصله وكذلك مكان مولده ، فمن المؤرخين من يقول بأنه من مواليد الكوفة على الفرات ، ومنهم من يقول أن أصله من مدينة حران من أعمال بلاد ما بين النهرين ويوجد حتى من يقول أن أصله يونانياً أو أسباني، وأقرب الاقوال الى الحقيقة ان أصله من الأزد، وولد في خراسان من أب عربي وأم عربية، أرسله والده إلى الجزيرة العربية للاتصال بقبيلته، فبقي هناك إلى أن بلغ أشدّه، وأتقن العربية، وتعلّم القرآن والحساب وعلوماً أخرى.

    عاش ابن حيان في العراق بالكوفة وبغداد، وأثناء فترة وجوده في الكوفة اتصل بالإمام جعفر الصادق ، ثم اتصل بالبرامكة الذين قدّموه إلى بلاط الرشيد ، وكانت له ساعة معينة يدخل فيها على الإمام الصادق ليأخذ العلم منه ، وتتلمذ على يديه، وعن طريقه دخل بلاط هارون الرشيد بحفاوة .

    هو أول من اشتغل بالكيماء القديمة ونبغ فيها، حتى إن العرب سمَّوا الكيمياء عامة "صنعة جابر"، إشارة إلى أن "جابر بن حيان" هو أول من زاولها، وكشف عن مفردها ومركِّبها، وتناول في كتاباته الفلزات وأكاسيدها وأملاحها، وأحماض النتريك والكبريتيك والخليك، وعالج القلويات وحضَّرها ونقَّاها بالبلورة والتقطير، والترشيح والتصعيد.



    جابر بن حيان في الحقيقة هو الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة ، وعلماء الغرب يشهدون على ذلك.

    تعمق جابر في الكثير من العلوم وبرع فيها كالفلسفة، والمنطق، والطب، والرصد، والرياضيات، والكيمياء، والميكانيك، والفلك، وسواها من المعارف الإنسانية، إلاَّ أنَّ شهرته بالكيمياء طغت عليه وعرف بها، فقال عنه Berthelot برتيلو : " إن لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق" .


    رأي العلماء والمفكرين في جابر بن حيان:

    كيف تمكن جابر من تأسيس مثل هذا العلم الواسع ؟؟
    سؤال دار في الاذهان، وشغل عقول بعض الباحثين والمفكرين، وجعل البعض ينفي وجود مثل هذا الشخص ‍ بينما قبل البعض الآخر فيه، بافتراض وجود مدرسة للكيمياء، تمكنت من القيام بهذا العمل على مدى مئة عام من أواسط القرن الثالث إلى أواسط القرن الرابع للهجرة ، لكن جابر من أندر العلماء الذين لم يتركوا قضية نشأتهم إلى الغموض والسر، ودراسة كتبه تبيّن بواسطة احالاته المستمرة إلى مؤلفاته السابقة أن المؤلف يبتدىء بعناصر متواضعة معروفة في عهده.
    وهو لم يكن وحيداً، بل كان له اساتذة وزملاء في هذا الميدان، وتبيّن مؤلفاته أنه يشير إلى أفكار القدماء الاجانب مثل: سقراطس، أفلاطون، أرسطوطاليس، هرمس، وكثيرين من المعروفين غيرهم.
    لكن الواقع أن هؤلاء العلماء لم يشتغلوا بالكيمياء ؟ حتى أن بعضهم شخصيات خرافية، الأمر الذي أدى بالباحثين إلى الشك في صحة هذه الاحالات، أو الظن بأن المسلمين والعرب احتلقوا كتباً، ونسبوها إلى الاخرين، غير أن هؤلاء الباحثين لم يهتموا بالتساؤل ؟‍ متى وكيف احتلق المسلمون مثل هذه الكتب ونسبوها إلى الاخرين ؟
    لايعقل أن يتعب شخص في التأليف والتصنيف، ويتعب قريحته وجسده ثم ينسب ما وضعه إلى شخص آخر ؟‍ وإن ذلك يعد ضرباً من الجهل.

    1 – ذكر هولميارد Holmyard
    أنه من النادر على أي كيميائي أن ينتج مثل هذه المؤلفات التي تشمل على معرفة كثيرة، واحاطة واسعة لاعمال القدماء، واعتبر جابر من أعظم علماء العصر الوسيط، واهتم بأعماله ومنهجه العلمي ومؤلفاته، فعكف على ابراز القيمة العلمية لعمله وقال:
    " إن الصنعة الخاصة عند جابر، هي أنه على الرغم من توجهه نحو التصوف والوهم، فقد عرف واكد على أهمية التجريب بشكل أوضح من كل من سبقه من الخيميائيين "
    ووجد هولميارد أن أن أهمية جابر تتساوى مع أهمية بول ولافوازييه.

    2 – بول كراوس Paul Kraus :
    هو أول من قام بدراسة أعمال جابر سواء في الكيمياء، أو في فروع أخرى، دراسة جوهرية مسهبة، واهتم بالمظهر الفلسفي عنده،وبرأيه أن بعض مفاهيمه لها معنى اسماعيلي خالص ووضع كراوس مجلداً ضخماً أسماه (مختار رسائل جابر ).

    3 – قال برتلو M. Berthelot عن جابر:

    أن لجابر في الكيمياء ما لارسطو طاليس قبله في المنطق .

    4 – وقال لوبون: G. Lebon

    تتالف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل اليه علم الكيمياء عند العرب في عصره، وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيميائية كانت مجهوله قبله.

    ومن جانب آخر، شكّ بعض العلماء بوجود جابر، وذلك لوجود عدد لايستهان به من المخطوطات اللاتينية في الكيمياء منسوبة إلى جابر، حيث قيل أن هذه المخطوطات لاتمت بصلة إلى جابر، وسبب الانتحال أن هذه الكتب الجابرية لاوجود لها في الاصل العربي، وهذا على ما نعتقد لايمنع أن تكون من مصدر عربي، فقد تكون النسخ الاصلية قد فقدت.
    ويعد روسكا من أكثر المشككين بوجود شخصية جابر ؟ وادعى أن كتبه منتحلة، واستدل بابن خلدون الذي قال بأن جابراً هو من كبار السحرة ؟!!

    وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي (باكون) : ( إن جابر بن حيان هو أول من علم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء)
    ويقول ماكس مايرهوف : يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوربا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية.
    عمد جابر بن حيان إلى التجربة في بحوثه ، وآمن بها إيمانا عميقا ، وكان يوصي تلاميذه بقوله :" وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لايعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان. فعليك يابني بالتجربة لتصل إلى المعرفة".

    رأي جابر في طبائع العناصر، وإمكانية تحويلها إلى ذهب:
    ينطلق جابر في الصنعة من أن لكل عنصر روحاً (نفساً، جوهراً ) كما نجد في أفراد الناس والحيوان، وأن للعناصر طبائع، وهذه الطبائع في العناصر قابلة للتبدل.
    ويرى جابر أن العنصر كلما كان أقل صفاءً (ممزوجاً بعناصر اخرى ) كان أضعف تأثيراً، فإذا أردنا عنصراً قوي الاثر (في غيره)، وجب تصفيته، والتصفية تكون بالتقطير، فبالتقطير تصعد الروح من العنصر فيموت العنصر. يقول جابر:
    " فإذا استطعنا أن نسيطر على روح هذا العنصر، ثم القينا شيئاً منه ( الروح وهي مذكر) على مادة ما، انقلبت تلك المادة فكانت مثل العنصر الذي القينا فيه شيئاً من روحه "

    أعمال ابن حيان في مجال الكيمياء

    نادى جابر بن حيان بأعلى صوته أن دراسة العلوم الطبيعية أساسها التجربة ، لذا نجد أن علماء المسلمين نهجوا منهج جابر بن حيان وحذوا حذوه وذلك ليس في مجال الكيمياء وحسب وإنما في العلوم الأخرى . فجابر أول من أدخل التجربة العلمية المخبرية في منهج البحث العلمي الذي أرسى قواعده ، وهو مخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي Alkali، وماء الفضة.
    وهو كذلك صاحب الفضل فيما عرفه الأوربيون عن ملح النشادر، وماء الذهب، والبوتاس، وزيت الزاج ( حمض الكبريتيك ) ، كما أنه تناول في كتاباته الفلزات، وأكسيدها، وأملاحها، وأحماض النتريك والكبريتيك، وعمليات التقطير، والترشيح، والتصعيد. ومن أهم إسهاماته العلمية كذلك، أنه أدخل عنصرَيْ التجربة والمعمل في الكيمياء وأوصى بدقة البحث والاعتماد على التجربة والصبر على القيام بها ، فجابر يُعَدُّ من رواد العلوم التطبيقية ، وتتجلى إسهاماته في هذا الميدان في تكرير المعادن، وتحضير الفولاذ، وصبغ الأقمشة ودبغ الجلود، وطلاء القماش المانع لتسرب الماء، واستعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.
    شرح ابن حيان بالتفصيل كيفية تحضير الزرنيخ ، والأنتيمون ، وتنقية المعادن وصبغ الأقمشة. و اكتشف أن الشب يساعد على تثبيت الألوان ، كما أنه صنع ورقاً غير قابل للاحتراق ، وحضر أيضاً نوعاً من الطلاء يمنع الحديد من الصدأ .

    لمحة عن كتبه:
    ألفّ جابر عدداً كبيراً جداً من الكتب، يقال أنها تجاوزت – 3900 كتاب – ، كانت سبباً في الشك بوجوده، أو حتى نسبها جميعاً إليه.
    له كتب في الكيمياء، الفلسفة، التنجيم، الرياضيات، الموسيقى، الطب والسحر ورسائل دينية اخرى.
    تميّزت مخطوطاته وكتبه بوحدتها، مما يدل على أنها تابعة لمدرسة واحدة، والكتب التي تغلب عليها نزعة الكيمياء هي كتب السبعين والرحمة، أما الكتب التي تغلب عليها النـزعة الطبية فهي رسائل السموم.ولجابر أسلوب لايشبه أسلوب باقي المؤلفين، فأسلوبه يتميز بالجدية، والفكرة الواحدة والتفكير العميق وقد ذكر ابن النديم ما يزيد عن 360 مؤلفاً لجابر، يمكن الرجوع اليها في كتاب الفهرست ، وكذلك ذكرها كرواس في مؤلفه رسائل جابر .
    يمكن أن نعدّ رسائل جابر في الكيمياء أول مظهر من مظاهر الكيمياء في المدنية الاسلامية، على الرغم من أن عدداً عظمياً من رسائله كان نصيبها الفناء، بينما بقيت بعض الكتب اللاتينية التي أُخذت عنها.

    كما أن جابرابن حيان هو أول من استعمل الموازين الحساسة ، والأوزان المتناهية في الدقة في تجاربه العلمية . وهومكتشف "الصود الكاوي" أو القطرون ، و هو أول من استحضر ماء الذهب والفضة بخلطهما بحامض الكبريت وحامض النتريك ، و أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ باستخدام الأحماض ، وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.
    وهو أول من اكتشف حمض النتريك و حمض الهيدروكلوريك ، و أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والإنصهار والتبلور والتقطير.

    ويقدّر الزمن الذي ولد فيه جابر بين 721 م – 722 م، أما تاريخ وفاته فغير معروف تماما. ويقال أنه توفي سنة 200 هـ أو ما يوافق 815 م ، ويقول هولميارد Holmyard أن جابر عاش ما يقارب 95 سنة، ودليله في ذلك أن المؤلفات التي ألّفها لا يمكن إنجازها بأقل من هذا الزمن .



    avatar
    dina
    مراقب
    مراقب

    الرتبة : مراقبة منتدى الإعدادي و الإبتدائي

    انثى

    مكان الإقامة : الجزائر

    العمر : 22

    المساهمات : 46

    التقييم : 5479

    السٌّمعَة : 2

    تاريخ التسجيل : 13/05/2010

    بيان مؤلفات الرازي - حياة الرازي

    مُساهمة من طرف dina في 2010-05-24, 18:20


    حياة الرازي - مؤلفات الرازي

    تمهيد:
    إذا ما قلبنا كتب الطب العربي الإسلامي القديمة، ثم استعرضنا أهم الأطباء العرب المسلمين، وحاولنا أن نحدد أكثرهم تأثيرا على الطب العربي والغربي في عصر النهضة، فلا شك أن اسم أبي بكر الرازي سيبرز كواحد من أهم أسماء الأطباء العرب المسلمين الذين أغنوا التراث الإسلامي الطبي بأعمالهم، وخلفوا أثرا عميقا امتد حتى قرون عديدة بعد بداية النهضة الأوربية.

    ولا شك أننا سنجد له كتبا كثيرة، مثل الحاوي والمنصوري ورسالة في الجدري والحصبة، والقولنج والنقرس وغيرها من الكتب التي تعتبر مراجع هامة في الطب العربي الإسلامي القديم، ومعالم أساسية في تاريخ الطب بشكل عام، وقد استمر تدريس الترجمات اللاتينية لهذه الكتب في جامعات الطب في أوربا، حتى بدايات العصر الحديث.

    ولا تزال المطابع ودور النشر تمدنا كل فترة بدراسات وتحقيقات جديدة، توضح لنا أهمية دور الرازي في تاريخ الطب وغيره من العلوم كالكيمياء، الفلسفة، ولا شك أن كتبه لازالت تمثل منبعا ثرأ للدراسات والأبحاث في مجال تاريخ الطب.
    ولكننا إذا وجهنا نظرنا إلى وجهة أخرى هي حياة الرازي، فسندهش ولا شك لقلة المعلومات المؤكدة التي وصلتنا حول حياة هذا لعلم الكبير من أعلام الطب الإسلامي. وإذا حاولنا التأكد من دقة هذه المعلومات وصحتها، فستصادفنا مصاعب كبيرة، وعقبات جمة، وسنلاحظ تناقضا في المعلومات واختلافا واضحا بين المؤرخين والمؤلفين القدامى.

    ولم تقدم الدراسات الحديثة والكتب الحديثة في هذا المجال سوى إضافات قليلة، هي بحد ذاتها موضع جدل ونقاش.

    وهكذا رأينا أن نستقصي أبعاد حياة الرازي، من خلال المصادر القديمة والمراجع الحديثة، لنناقش بعض معطياتها، وقد بذل، جهدنا في توضيح المعالم الرئيسية لحياة الرازي، ورغم ذلك لا تزال هناك نقاط هامة لم نتوصل فيها لرأي قاطع ، ولا بد من العثور على وثائق ومستندات جديدة إضافية للبت في هذه الأمور بشكل نهائي، وحتى ذلك الوقت أرجو أن أكون قد وفيت جزءا من حق هذا العالم والطبيب العظيم الذي خلف أثرا بالغا في الأطباء العرب المسلمين والغربيين الذين جاءوا بعده، والذي قدم لنا أعمالا تعتبر من معالم تاريخ الطب حتى في العصر الحديث .

    تحقيق حياة الرازى كما وردت
    في المصادر القديمة والمراجع الحديثة

    اسمه:
    هو " أبو بكر محمد بن زكريا الرازي "
    ولا ترد الكنية " أبو بكر" في كل من كتاب تاريخ حكماء الإسلام (1) وطبقات الأطباء والحكماء (2) والوافي بالوفيات (3) والبداية والنهاية (4) والنجوم الزاهرة (5) ودول الإسلام (6) والعبر في خبر من غبر (7) وأما صاعد في طبقات الأمم فيوردها مرة ويغفلها أخرى (Cool، وكذلك ابن العبري في تاريخ مختصر الدول يوردها مرة ويغفلها أخرى (9)، وأما ابن الحنبلي في شذرات الذهب، فلا يوردها في العنوان، ولكن في المتن نقلا عن ابن الأهدل (10).

    ويذكر ثروة (11) في الصفحة الأولى من تحقيقه لكتاب " سر الأسرار اسما لجد الرازي هو " يحى " فيورد اسمه" أبو بكر محمد بن زكريا بن يحيى الرازي " وقد عدنا إلى مخطوطة كتاب الأسرار المصورة مرافقة لنفس الكتاب، فلم نجد ذكرا لهذا الاسم، ولكننا وجدناه في " رسالة البيروني في فهرسة كتب محمد بن زكريا الرازي حيث يقول: " ذكرت لازلت ذاكرا وبه مذكورا أنك تشوقت إلى الإحاطة بزمان محمد بن زكريا بن يحى الرازي " (13).

    ويرد الاسم والكنية كما أثبتناهما في عدة كتب أهمها تأريخ الحكماء (13)، وعيون الأنباء (14)، ومرآة الجنان (15)، ووفيات الأعيان (16) ومفتاح السعادة (17). ويختلف الفهرست (18) والوافي بالوفيات (19) ومعجم البلدان (20) والآثار الباقية (31) وتحقيق ما للهند (22) بكلمة زكريا فقط، حيث وردت لديهم " زكريا " بالهمزة، أما باقي الاسم فهو مماثل لما أثبتنا هنا.

    ولادته :
    ولد الرازي في مدينة الري إحدى أهم مدن إيران سابقا (23)- كما أجمعت المصادر التي أوردت مكان ولادته (24)-وتعود نسبته " الرازي " إلى تلك المدينة.

    أما تاريخ ولادته فقد اختلف فيه- وهو غالبا سنة (251 هـ 865 م)
    فلم تذكر الكتب القديمة تاريخ ولادته ماعدا البيروني الذي ذكر (25) أنه ولد في غرة شعبان من سنة 251 هـ (865 م).

    وأما الكتب الحديثة فقد أوردت تواريخ شتى:
    * فأورد بعضها التاريخ الذي ذكره البيروني مثل الأعلام (26) ومعجم المؤلفين (27) والموسوعة البريطانية المختصرة (28) والدومييلي (29 ) وتاريخ الحضارات العام (30) وأدب العلماء (31) وتراث الإسلام (32).

    * وأورد بعضها تواريخ مختلفة قريبة أو بعيدة من التاريخ المذكور:
    فكتاب الكيمياء عند العرب (33) يورده في سنة 2 25 هـ (866 م). وتورده دائرة المعارف الإسلامية (34) وكذلك تاريخ الحضارة الإسلامية (31) وأبحاث عن تاريخ العلوم في الحضارة العربية الإسلامية (36)، وتراث الإسلام (37) والطب الإسلامي (38) تورده في سنة 0 25 هـ (864 م). ويورده غاريسون (39) في سنة 246 هـ (0 86 م).
    ويورده.D.S.B (4) والعلوم عند العرب (41) والخالدون العرب (42) وتاريخ العلم ودور العلماء العرب (43) والموجز في التراث العلمي ، العربي الإسلامي (44) في سنة 240 هـ (854 م).

    ويورده باب الطب العربي (4)، وتورندايك (46)، وحضارة العرب (47) في سنة 236 هـ (0 85 م).

    ويورده طب الرازي (48) في سنة 235 هـ (849 م).

    ويورده فرات فائق في كتابه عن الرازي (49) في سنة 226 هـ (5 84 م).

    وكما نلاحظ فهناك تواريخ متفاوتة بين سنة 226 هـ (840 م) وسنة 252 هـ (866 م).

    ولم نستطع معرفة المصادر التي رجع إليها هؤلاء المؤلفون لتحديد ولادة الرازي بهذه التواريخ المختلفة.

    حياته:
    المعلومات الموثقة عن حياة الرازي قليلة، وتذكر أكثر الكتب القديمة أنه كان يضرب العود ويغني في صغره (50) . ولا يورد الفهرست (51) ولا تأريخ حكماء الإسلام (52) هذه الفكرة. وقد اعتبر المؤرخون القدامى هذه الموهبة ميزة من ميزات الرازي، ومقدرة خاصة فذكرها أغلبهم في ترجمتهم للرازي، وأضاف بعضهم (53) أنه ترك الغناء عندما التحى وجهه قائلا: " كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف ".

    وأما المحدثون فقد ذكرها بعضهم كما في الأعلام (54) ومعجم المؤلفين (55)، وأهملها بعضهم وخاصة المؤلفون الغربيون (56).

    ويضيف كتاب تأريخ حكماء الإسلام (57) أنه كان صائغا، ولا يرد هذا عند المؤلفين الحديثين عدا معجم المؤلفين (58) ويذكر ابن جلجل في طبقات الأطباء والحكماء أنه كان أديبا (59)، وأما عيون الأنباء فيقول إنه كان صيرفيا (60) كما يؤكد ما ورد لدى ابن جلجل فيذكر أنه كان يقول الشعر ويهتم بالأدب (61)، ولم يصلنا من آثاره الأدبية والشعرية سوى البيتين اللذين أوردهما ابن أبي أصيبعه (61) وهما:

    لعمري ، ما أدري ، وقد آذن البلى بعاجل ترحال ، إلى أين ترحالي؟
    وأيـن محـل الروح بعد خروجـــــه من الهيكل المنحل، والجسد البالي؟

    اشتغاله بالكيمياء:
    تقول الكتب، القديمة إن الرازي مارس الكيمياء أولا ، وألف فيها- ويرد هذا في الفهرست (63) وتاريخ حكماء الإسلام (63) وعيون الأنباء (64)- ثم انصرف- بعد ذلك- لدراسة الطب كما يرد في طبقات الأطباء والحكماء (65) وطبقات الأمم (66) وتأريخ حكماء الإسلام (67) وعيون الأنباء (68) وغيرها (69).

    ولكننا نعتقد أن اشتغال الرازي في مجال الكيمياء كان خلال مرحلتين من مراحل حياته:

    فالمرحلة الأولى: كانت في بداية حياته، حيث اشتغل بالكيمياء وألف في مجالها، وربما أثرت المواد الكيماوية وأبخرتها على عينيه في هذه الفترة ، حيث يقول البيهقي (70): " فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير) ويضيف أنه ذهب إلى طبيب لمعالجته، ولا شك أن هذا كان قبل أن يدرس الطب، أي في مقتبل حياته. وقد يصح أن الرازي أنصرف بعدها إلى دراساته الأخرى في الطب والفلسفة وغيرها من العلوم، كما ورد لدى المؤلفين.

    وتأتي بعد ذلك المرحلة الثانية التي عاود فيها الرازي اشتغاله بالكيمياء، وربما طغى الجانب النظري أي جانب الدراسة والتأليف على الجانب العملي في هذه المرحلة التي نعتقد أنها كانت في أواخر حياته. ونستدل على معاودة الرازي للاشتغال في مجال الكيمياء في أواخر حياته مما جاء في مقدمة كتابي الأسرار، وسر الأسرار(71) من أنه ألف هذين الكتابين بناء على طلب أحد تلاميذه من أهل بخاري ، وهو عالم بالرياضيات والعلوم الطبيعية والمنطقية، ولا شك أن هذا كان بعد شهرته وتتلمذ كثير من طالبي العلم على يديه ، أي بعد مرور مدة طويلة على المرحلة الأولى. وترد في نفس المقدمة إشارة تدل على تقدم الرازي في السن حيث يقول (72): "ولولا علمي بانصراف أيامي دون أجلي، ومخافتي من فوت ما آمله وأرومه لم أكن بالذي أجمع له هذا كله في كتاب واحد بهذا الاستقصاء ".

    ومما يؤكد- لدينا الاعتقاد بأنه عاود التأليف في الكيمياء في مرحلة متأخرة من عمره، القصة التي ذكرها بعض المؤلفين (73)، والتي تناسب حصول العمى لدى الرازي في أواخر عمره إلى أنه ألف كتابا في الكيمياء وأهداه إلى أحد ملوك السامانيين، فكافأه عليه، ولما طالبه بتحقيق ما ورد فيه، وتهرب الرازي من ذلك، أمر الملك بضربه بالكتاب الذي ألفه على رأسه عقوبة له، فسبب له ذلك العمى.

    ويؤكده أيضا ما ورد في عيون الأنباء (74) من أن أحد الوزراء سأله أن يعرفه ما حصل له من معرفة الكيمياء، فلما لم يذكر له الرازي شيئا من ذلك، وأنكر معرفته خنقه سرا بوتر.

    ورغم أننا لن نسلم بصحة هاتين القصتين دون شك، لكنهما توحيان لنا بفكرة وهي أن الرازي عاود الاشتغال بالكيمياء،- وخاصة ما يتعلق منها بالتأليف- في سن متقدمة.

    ولعل ممارسة الرازي العملية للكيمياء كانت في المرحلة الأولى من عمره، كما ذكرت المصادر القديمة وتأليفه في مجالها كان في المرحلة الثانية، وفي سن متقدمة نسبيا، كما استنتجنا من نفس هذه المصادر ومن كتب الرازي في الكيمياء.

    ممارسته للطب:
    تذكر المصادر القديمة أن ممارسة الرازي للطب كانت في سن متقدمة، حتى إن عددا من هذه الكتب مثل وفيات الأعيان (75) وفوات، الوفيات (76) وغيرهما (77)، تذكر أنه مارس الطب بعد سن الأربعين.

    ويرى أحد الباحثين المحدثين- وهو الدكتور ألبير زكي اسكندر- عكس هذا الرأي، حيث يعتقد أن الرازي بدأ اشتغاله بالطب في حداثته (78)، ويستخلص دلائله على ذلك من مخطوطات وكتب الرازي، ومن المصادر الأخرى. ولعل كثرة عدد كتب الرازي المؤلفة في هذا المجال وتنوعها، يؤيد رأي الدكتور إسكندر المذكور ويتوافق معه.

    وقد مارس طبه مدة طويلة في المشافي ، وينعته ابن جلجل (79) بأنه " طبيب مارستاني)، وقد احتل الرازي مناصب هامة في المشافي التي عمل فيها، فتولى إدارة بيمارستان الري (80) كما تذكر عدة مصادر الرازى مثل طبقات الأمم (81) وطبقات الأطباء والحكماء (82) وتاريخ الحكماء (83) وعيون الأنباء (84)، وغيرها (Cool.

    وعندما قصد بغداد وأقام فيها أدار أحد بيمارستاناتها ، كما تذكر نفس المصادر، وأما البيمارستان الذي أداره في بغداد فليس معروفا بشكل مؤكد.

    وتذكره المصادر القديمة على أنها بيمارستان بغداد " دون تحديد اسم له، وتنقل عنها بعض الكتب الحديثة مثل تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (86) والكيمياء عند العرب (87) وثورندايك (88)، والطب الإ سلامي (89).

    ويخالف ذلك ابن أبي أصيبعه (90) حيث ينقل عن " أبي سعيد زاهد العلماء في كتابه في البيمارستانات أن الرازي دخل البيمارستان العضدي فأعجبه ما شاهده فيه ودفعه ذلك إلى تعلم الطب، وثم ينقل عن بعضهم " أن الرازي كان في جملة من اجتمع على بناء هذا البيمارستان العضدي ، ثم ينقل عن أبي تراب البغدادي الكاتب أن عضد الدولة عندما أسس بيمارستانه انتقى مائة من أفضل أطباء بغداد ثم خمسين منهم ثم عشرة، فكان الرازي أحدهم، ثم ميز فيما بينهم فبان له أن الرازي أفضلهم فجعله ساعور البيمارستان العضدي . ولكن ابن أبي أصيبعة يدرس هذه الأقوال من الناحية التاريخية ويمحصها فيتبين له خطؤها، فيقول (91) " والذي صح عندي أن الرازي كان أقدم زمانا من عضد الدولة بن بويه ، وإنما كان تردده إلى البيمارستان من قبل أن يجدده عضد الدولة.

    وقد نقل عدد من الكتب الحديثة عن كتاب ابن أبي أصيبعة دون تدقيق فيه، ولم ينتبهوا للتصحيح الذي أورده، فذكرت هذه الكتب أن الرازي تولى رئاسة البيمارستان العضدي، كما ذكرت أنه ساهم في تأسيسه، وأن عضد الدولة استشاره في المكان الذي يجب أن يقام فيه هذا البيمارستان، وقد وردت هذه الرواية في كل من الأعلام (92) ومعجم المؤلفين (93) ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب (94) والمرجع في تاريخ العلوم عند العرب (9)، والموجز في التراث العلمي العربي الإسلامي (96) والعلوم عند العرب (97) والطب العربي (98) وتاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه (99) وقراءات في تاريخ العلوم عند العرب (100) وطب الرازي (101).

    وتنقل كتب أخرى هذه الروايات مع التصحيح الذي أورده ابن أبي أصيبعة، وممن أورد هذا التصحيح السويسي في أدب العلماء (103) وفائق في كتابه عن الرازي وعلوجي في تاريخ الطب العراقي (104).

    ويضيف بعضهم رأيه حول البيمارستان الذي أداره الرازي: فيرى الدومييلي (105) وفروخ (106) وإلغود (107) أنه تولى إدارة البيمارستان المقتدري الذي أسس سنة 306 هـ (918 م) بأمر الخليفة المقتدر. ويرى فائق في كتابه عن الرازي (108) أنه البيمارستان المقتدري أو البيمارستان الصاعدي الذي بني في عهد الخليفة المعتضد وأما التوانسي (109) فيقول: " إن الخليفة المعتضد هو الذي استشاره في بناء مستشفى وجعله رئيسا لأطبائه ".

    أما الدكتور البير زكي إسكندر فيعتقد أن البيمارستان المقصود هو البيمارستان المعتضدي الجديد حيث يقول (110) " ورد ذكر البيمارستان المعتضدي في الداء الخفي ولكننا رجعنا إلى نسخة مصورة من المخطوطة المذكورة فوجدنا فيها ذكرا للخليفة المعتضد لا إلى البيمارستان المعتضدي حيث يقول (111) " ورأيت امرأة واحدة لها لحية وافرة من نساء الأكراد جيء بها إلى المعتضد أعجوية " وربما ورد في النسخة التي رجع إليها الدكتور إسكندر ما ذكره في بحثه المذكور، لكننا لم نعثر على ذكر للبيمإرستان المعتضدي بين بيمارستانات بغداد، وإنما هناك بيمارستان لبدر غلام المعتضد ، وقد يكون هذا هو البيمارستان المقصود. وليس بين أيدينا حتى الآن ما يؤكد لنا بشكل حاسم ما هو اسم البيمارستان الذي أداره الرازي في بغداد.

    وسواء كان البيمارستان المقصود هو البيمارستان المعتضدي الجديد كما يعتقد الدكتور إسكندر أو البيمارستان المقتدري كما يذ كر الدومييلي والتوانسي أو البيمارستان الصاعدي كما يذكر فرات أو البيمارستان العضدي قبل تجديده كما يقول ابن أبي أصيبعة، فقد بقى الرازي في إدارته فترة طويلة كما يذكر القفطي (113) .

    لقد كان قدوم الرازي إلى بغداد وزيارته لها حوالي سنة 285 هـ (898 م) حيث يقول ابن أبي أصيبعة (113): " وكان قدومه إلى بغداد وله من العمر نيف وثلاثون سنة، فإذا تذكرنا تاريخ ولادته المرجح فيكون قدومه إلى بغداد حوالي سنة 285 هـ كما ذكرنا آنفا. ويؤيد ذلك أيضا ما يرد لدى ابن جلجل (114) والقفطي (115) حيث يقول القفطي نقلا عن ابن جلجل " كان الرازي في دولة المكتفي " ويضيف هو قائلا " قلت : وفي بعض زمن المقتدر. وحيث أن الخلافتين كانتا بين 289- 296 هـ (902- 909 م) فلا يعقل أن يكون المقصود بذلك هو فترة حياة الرازي- الذي توفي حوالي 313 هـ (925 م)- كلها، وإنما المقصود بها أن فترة إقامة الرازي ببغداد كانت في ظل حكم هذين الخليفتين.

    أما كم بقي الرازي في بغداد تماما، فهذا ما لا نعرفه على وجه الدقة والأرجح أنه زارها أكثر من مره ، فقد كان كثير التنقل بين البلدان، كما يرد في الفهرست (116) وعيون الأنباء (117) وخاصة بين مدن العجم المختلفة إذ كان له فيها- كما يذكران- صداقات وعلاقات جيدة مع حكامها مثل منصور بن إسحق (الذي أهداه كتاب الطب المنصوري) وعلي بن ويهسوذان الذي أهداه الطب الملوكي).

    وقد كان الرازي موجودا في بغداد في أواخر أيامه أيضا كما يذكر الحموي (118) وقد سافر منها إلى الري سنة 311 هـ (923 م) حيث توفى في مسقط رأسه بعد حوالي سنتين. وقد أخطأ بعض الدارسين الحديثين مثل الزركلي (119) وكحالة (120) والسويسي (121) حين قالوا إنه توفي في بغداد، وإنما توفي- كما يقول الحموي- " بالري بعد منصرفه من بغداد سنة 311 هـ ".

    وفاته:
    توفي الرازي في الري حوالي سنة 313 هـ (925 م)، وتقول رواية يوردها ابن أبي أصيبعة (132) إنه قتل خنقا، ولم يمت ميتة عادية.

    وقد اختلف أقوال المؤرخين القدامى وكذلك المحدثين في تاريخ وفاة الرازي، وقد وردت عدة آراء في هذا المجال:

    ا- المصادر القديمة:
    أ- لم يذكر بعضها تاريخ وفاته مثل الفهرست (123) وتاريخ حكماء الإسلام (124) وأما طبقات الأطباء والحكماء (12) فاكتفى بالقول إنه كان في دولة المكتفي (289- 295 هـ) (2 0 9- 8 0 9 م) ولم يحدد قصده بذلك وفاته كما ذكرنا آنفا. وأما معجم البلدان (126) فيقول: " مات بالري بعد منصرفه من بغداد سنة 311 هـ عن ابن شيراز " والتاريخ الذي يورده معجم البلدان هو تاريخ مغادرة الرازي بغداد لا تاربخ وفاته، وربما قاد هذا الالتباس بعض المؤرخين القدامى والمحدثين إلى الخطأ، حيث حددوا وقوع وفاة الرازي في السنة المذكورة، كما قد يكون هذا سبب خطأ- غيرهم في تحديد مكان وفاة الرازي كما ذكرنا سابقا.

    ب- أورد بعضهم عدة تواريخ لوفاته: فتاريخ الحكماء (127) يورد ثلاثة تواريخ:
    · 320 هـ نقلا عن صاعد.
    * 364 هـ نقلا عن ابن شيران في تاريخه.
    * نقلا عن ابن جلجل " وكان في دولة المكتفي " (289- 295 هـ)
    وأضاف لها " قلت: وفي بعض زمن المقتدر " (295- 296 هـ)

    (ويدل هذا كما نعتقد وذكرنا سابقا على وجوده في بغداد لا على فترة حياته .

    ويذكر عيون الأنباء (128) أيضا ثلاثة تواريخ:
    * نقلا عن أبي الخير الحسن بن سوار بن بابا: نيف وتسعين ومائتين أو ثلثمائة وكسر.
    · نقلا عن خط بلى مظفر بن معرف: 320 هـ.
    * نقلا عن عبيد الله بن جبرائيل، عاش الرازي حتى لحقه ابن العميد (129) أستاذ الصاحب بن عباد.
    ج - أورد بعضها تاريخا واحدا معينا: فمنها ما ذكر أنه توفي سنة 320 هـ (932 م): مثل طبقات الأمم (130) وتاريخ مختصر الدول (131) ومفتاح السعادة (132).

    ومنها ما ذكر أنه توفي سنة 313 هـ (925 م): وهذه رواية البيروني (133) في فهرسة كتب الرازي.

    ومنها ما ذكر أنه توفي سنة 311 هـ (923 م): مثل وفيات الأعيان (134) وفوات الوفيات (13) والبداية والنهاية (136) والنجوم الزاهرة (37 1) ومرآة الحنان (38 1) وغيرها (39 1). وربما كان سبب إيرادها هذا التاريخ ما ذكرناه من التباس قول الحموي (الذي يعتبر مؤرخا ثقة) وقد مر ذكر ذلك سابقا.

    وهكذا تتواتر لدى المؤرخين القدامى ثلاثة تواريخ لوفاة الرازي وهي/ 1 31 هـ/ و/313 هـ/ و/ 320 هـ/، فإذا اعتبرنا تاريخ 311 هـ نتيجة خطأ بفهم قول الحموي على غير مقصده كما ذكرنا، بقي لدينا تاريخان مرجحان لوفاته 313 هـ وهو التاربخ الذي أخذنا به نقلا عن البيروني الذي يعتر قريبا من عصر الرازي ومؤرخا موثوقا في الوقت نفسه، والآخر هو سنة 320 هـ وقد أورده المؤرخون الذين ذكرناهم.

    2- المراجع الحديثة:
    أ- أورد بعضها أكثر من تاريخ واحد لوفاته: فدائرة المعارف الإسلامية (140) مثلا تذكر تاريخين هما سنة 313 هـ (925 م) أو 323 هـ (934 م).

    وD.S.B. (141) تذكر تاريخين هما 311 هـ (923 م) أو 324 هـ (935 م).
    والموسوعة البريطانية المختصرة (143) تذكر تاريخين هما 1 31 هـ (923 م) أو 320 هـ (932 م).

    والأعلام ( 143) يقول إنه توفي في نيف و 0 29 أو 320 هـ (932 م) ويرجع أنه توفي في 1 31 هـ (23 9 م)

    وأدب العلماء (144) يذكر أنه توفي في نيف و 0 29 هـ أو 0 30 وكسر هـ أو 320 هـ (932 م) أو 313 هـ (925 م).

    وسارتون (145) يذكر أنه توفي في سنة 1 31 هـ أو 312 هـ (923- 924 م). وكذلك ثورندايك (146) فإنه يذكر التاريخين ، نفسيهما .
    وطب الرازي (147) ينقل عدة تواريخ هي 320 هـ (932 م) و 1 31 هـ (23 9 م) و 364 هـ (974 م)

    ب- أورد بعضها تاريخا واحدا لوفاته: فقد ذكر بعضها أنه توفي سنة 1 31 هـ (923 م) مثل معجم المؤلفين (148) وتاريخ الطب العراقي (149) ومختصر تاريخ الطب لسينغر وأندروود (150) ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب (151) ، والطب الإسلامي لأولمان (152) .

    وذكرت أخرى أنه توفى. سنة)313 هـ (925 م) مثل تاريخ الحضارات العام (153) وفرات فائق في كتابه عن (154) والمرجع في تاريخ العلوم عند العرب (155) وأبحاث عن تاريخ العلوم الطبيعية فى الحضارات العربية الإسلامية (156) وتراث الإسلام (157) وموسوعة كامبردج عن تاريخ الإسلام (158).

    وذكر غيرها أنه توفي في سنة 320 هـ (932 م) مثل الطب العربي (159) والعلوم عند العرب (160) والخالدون العرب (161)، والموجز في التراث العلمي العربي الإسلامي (162) وغاريسون (163) وتاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (164) وحضارة العرب (165) ورسائل فلسفية للرازي (166).
    وذكر الدوميلي (167) أنه توفي سنة 4 31 هـ (26 أكتوبر 926 م).

    كما ذكر فروخ في تاريخ العلوم عند العرب (168) أنه توفي سنة 321 هـ (924 م).
    وأورد عبد الغني في الكيمياء عند العرب (169) تاريخا آخر هو سنة 333 هـ (944 م).

    وإذا قارنا بين التواريخ الواردة لدى الدارسين الحديثين، وتلك التي لدى المؤرخين القدامى وجدنا إنها هي نفسها التي وردت لدى الأخيرين، مع وجود استثناءات ، حيث أننا لم نعرف مصدرا للإضافات التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية وD.S.B. وحددت تاريخ وفاته ب 323 هـ (934 م). وكذلك مصدر الإضافات لدى سارتون وثورندايك والتي حددت تاريخ وفاته ب 312 هـ (924 م). ولا مصدر الدومييلي وفروخ اللذين حددا وفاته بنسبة 314 هـ و 321 هـ على ا لتوا لي.

    وأما التاريخ الذي أورده عبد الغني في الكيمياء عند العرب فهو بعيد جدا عن بقية التواريخ حيث يختلف عن أي تاريخ ورد لدى غيره بشكل كبير.

    الصفات الشخصية للرازى:
    لم تصلنا معلومات وافية عن شخصية الرازي ووصفه، ولكن ينقل لنا ابن النديم وصفه في الفهرست نقلا عن شيخ من الري يقول (170) إنه " شيخ كبير الرأس مسقطه ".

    وعلى ما يبدو فقد كان مرسل الشارب واللحية ، حيث ذكر ابن خلكان والصفدي أنه كان يضرب العود ويغني ، ثم ترك ذلك قائلا. (171) " كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف .

    حصلت لدى الرازي إصابة في عينه في فترة شبابه، إذ يرد في تأريخ حكماء الإسلام أنه أصيب بالرمد لاشتغاله بالمواد الكيماوية (172) ثم اشتغل بعلم الإكسير، فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير، وربما كانت إصابته نوعا من التهاب الملتحمة التحسسي دفعه لترك الكيمياء في هذه الفترة. والأرجح أن هذه الشكاية مستقلة عن الإصابة التي سببت فقد بصره في أواخر عمره، ويقول ابن النديم في ذلك (173) " وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله للباقلى ، وعمي في آخر عمره "، ويحدد ابن جلجل الإصابة بأنها ماء نزل في عينيه (ما يسمى الساد Cataract حاليا) حيث يقول (174) وعمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه ".

    ويبدو أن الرازي قد عاق من هاتين المشكلتين المختلفتين، وربما ساهمت أولاهما في إحداث الأخيرة، ونحن طبعا نخالف ابن النديم في سبب إصابة عينه بالعمى، وربما تكون وجهة نظر البيروني في سبب عماه أصح، حيث يعتقد أنه نتج عن كثرة القراءة، والمطالعة والدرس، ويذكر الرازي نفسه في كتابه سيرة الفيلسوف ما يثبت هذه الفكرة حيث يقول (175) " وبقيت في عمل الجامع الكبير خمس عشرة سنة، أعمل في الليل والنهار حتى ضعف بصري، وحدث علي فسخ في عضل يدي ، يمنعاني في وقتي هذا من القراءة والكتابة، وأنا على حالي لا أدعهما بمقدار جهدي ، وأستعين دائما بمن يقرأ ويكتب لي ".

    كانت الحالة الاجتماعية للرازي جيدة ، ويبدو أنه كان على درجة جيدة من اليسر والغنى ، ويتضح لنا ذلك مما ذكره في كتابه سيرة الفيلسوف (176) من انتقاد بعض الأشخاص له لأخذه بأسباب العيش والرفاهية وزعموا أننا حائدون عن سيرة الفلاسفة، ولا سيما عن سيرة إمامنا سقراط، المأثور عنه أنه كان لا يغشى الملوك ويستخف بهم إن هم غشوه، ولا يأكل لذيذ الطعام ، ولا يلبس فاخر الثياب، ولا يبني ولا يقتني ولا ينسل ، ولا يأكل لحما ولا يشرب خمرا، ولا يشهد لهوا... وأما نحن فعلى خلاف ذلك ". ويؤكده ما ورد في الفهرست عن كرمه وإنفاقه على الفقراء إذ يقول إن الرازي كان (177) " حسن الرأفة بالفقراء الأعلاء ، حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهما كما يؤكده ما ورد في عيون الأنباء (178) من ، وجود جوار تطبخ الأطعمة عند الرازي، وكذلك قول إحدى هاته الجواري (179) " بل إننا كنا نجد القدور التي عند الرازي جميعا ذهبا وفضة ".

    ويؤكد ذلك أيضا القصة التي أوردها البيهقي في تأريخ حكماء الإسلام عن رمد الرازي من أبخرة الإكسير، ثم ذهابه إلى الطبيب الذي طلب منه خمسمائة دينار ثم يقول (179)، فدفع ابن زكريا الدنانير إلى الطبيب،.

    ولكن هناك قصة تنافي هذه الفكرة ، وقد أوردها أبن العبري، في تاريخ مختصر الدول نقلا عن أبن الكعي ، حيث يقول (180) وتدعي الكيمياء وقد حبستك زوجتك على عشرة دراهم، فلو ملكت يوما قدر مهرها، ما رافعتك إلى المحاكم، فحضرت معها وحلفت لها عليه ، ولكن ابن العبري نفسه يستبعد هذا القول ويقول إنه مناف لما عرف عنه من حسن رأفته، بالفقراء.

    ورغم غناه، فقد كان منهجه الاعتدال في الحياة ، فهو يتحدث عن الطبيب موضحا أنه ينبغي أن يكون ( ا 18) " لا مقبلا على الدنيا كلية، ولا معرضا عن الآخرة كلية ويتضح ذلك أيضا في موقفه من الحياة التي يطلب من الفيلسوف اتباعها في كتابه سيرة الفيلسوف حيث يضع لها حدا أدق وحدا أعلى من التنعم والتقشف ثم يقول (182) " فأما مجاوزة الحد الأسفل فخروج من الفلسفة إلى مثل ما ذكرنا من أحوال الهند والمنانية والرهبان والنساك، وهو خروج عن السيرة العادلة، وإسخاط ، الله تعالى بإيلام النفوس باطلا، واستحقاق للإخراج عن اسم الفلسفة، وكذلك الحالة في مجاوزة الحد الأعلى".

    وقد أكد الراي على ضرورة استغناء الفلاسفة والعلماء عن الاحتياج إلى سواهم كما يذكر ابن النديم (183) " فيستغني بذلك عن جميع الناس "، وابن أبي أصيبعة (184) " لأنه استغنى عن التكسب من أوساخ الناس ويلجأ في سبيل ذلك إلى الكسب الحلال من عمله، ويرد على من ينتقدونه في ذلك في كتاب سيرة الفيلسوف حيث يقول (185)، إن ناسا من أهل النظر والتمييز والتحصيل لما رأونا نداخل الناس، ونتصرف في وجه من المعاش عوبونا واستنقصونا.. ".

    تميز الرازي بالذكاء والفطنة والحذق كما وصفه المؤرخون (186)، وميزوه بحدة الخاطر (187). وأما ما أجمع عليه جل المؤرخين (188) فهو مواظبته على علاج مرضاه واجتهاده في ذلك إضافة إلى مهارته الفائقة في الطب، واطلاعه الواسع والعميق على كتبه. وقد أورد كثير منهم أقوالا تدلنا على مدى تبحره في العلم (189) وسعة اطلاعه على مؤلفات من سبقه من العلماء سواء منهم علماء اليونان أو العرب وحتى علماء الهنود (190)، وكان الرازي يدقق في قراءاته، حيث يذكر ابن خلكان (191) أنه قرأ كتب الطب والفلسفة " قراءة رجل متعقب على مؤلفيها. كما نجده يحقق في نسبة أحد الكتب إلى مؤلفه، لأن ورود بعض الكلمات في محتواه جعلته يشك في نسبته له (192). ويؤيد ذلك ما عرفناه عن الرازي من دأبه على المطالعة والدرس والكتابة ، وقد وردت إشارات عدة إلى ذلك في مواضع من كتبه، فهو يذكر في بعض كتبه أنه كان يساهر أحد فضلاء ء الرجال على قراءة كتب جالينوس وأبقراط. والفقرة التالية المقتطفة من كتاب سيرة الفيلسوف (193) تدلنا على كثرة مطالعته ودأبه في الدراسة والكتابة " حتى أني متى اتفق لي كتاب لم أقرأه أو رجل لم ألقه، لم ألتفت إلى شغل البتة- ولو كان في ذلك علي عظيم ضرر- دون أن آتي على الكتاب ، وأعرف ما عند الرجل. وإنه بلغ من صبري واجتهادي أني كتبت بمثل خط التعاويذ في عام واحد أكثر من عشرين ألف ورقة.

    ويبدو لنا أن الرازي كان مطلعا على اللغة اليونانية، بعكس ما ذكر في هوامش تحقيق رسالة في الجدري والحصبة (194): والنص التالي المنقول عن عيون الأنباء (195)، يدل على معرفة الرازي باللغة اليونانية: " وقال أبو بكر ابن زكريا في كتاب الحاوي يصح في اللغة اليونانية أن ينطق بالجيم غينا وكافا، فيقال مثلا جالينوس وغالينوس وكالينوس ، وكل، ذلك جائز، وقد نجعل الألف واللام لاما شديدة فيكون ذلك أصح في اليونانية.. ويدلنا هذا النص على أن الرازي عرف اللغة اليونانية كما يؤكد هذه المعرفة ما نراه من سعة اطلاعه على الكتب اليونانية سواء منها الطبية أو الفلسفة ونقله عنها، ويؤيده ما ورد في الفهرست (196) وتاريخ الحكماء (197) من أنه ألف كتابا يذكر فيه كتب جالينوس التي لم ترد في فهارسه " كتاب في استدراك ما بقي من كتب جالينوس مما لم يذكره حنين ولا جالينوس في فهرسته ".

    وبالنتيجة فقد أدت هذه الصفات الشخصية والميزات التي اختص بها الرازي إلى أن يحتل مكانة مرموقة بين أطباء وعلماء عصره ، فلا عجب أن يحاط في البلدان والبلاطات المختلفة بالتكريم والرعاية ، كما يذكر كل من الفهرست (198)، وعيون الأنباء (199)، ولا غرابة أن تكون له منزلة رفيعة كما يقول ابن أبي أصيبعة ( 200) " له المنزلة الجليلة بالري وسائر بلاد الجبل وأن يصفه أحد مرضاه بأنه (201) أوحد الطب في عصره .

    لقد كانت مهارة الرازي وسعة علمه، ومدى الجهود التي كان يبذلها في مداواة مرضاه وعلاجهم، والدأب الذي تميز به ، إضافة إلى صفاته الشخصية الحميدة، أكبر مؤهل له ليحصل على لقبه الذي لقب به آنذاك على أنه (202) " طبيب المسلمين غير مدافع فيه " وأن نضعه نحن في صف أهم الأطباء لعصره والعصور التالية له.

    عائلته:
    لم تصلنا ملومات خاصة بعائلة الرازي ، شأن باقي تفاصيل حياته ، وكل ما نعرفه معلومات غير مباشرة مستقاة من كلمات متفرقة ، وردت عرضا هنا وهناك في كتب التراجم القديمة.

    ويذكر ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء ، أن عائلته وأهله كانوا يسكنون منطقة الري، كما يذكر أنه له أخا " لكونها موطنه، وموطن أهله وأخيه " (203)، كما تدلنا جملة أخرى وردت لدى ابن أبي أصيبعة أن له أختا على الأقل حيث يقول (204): " فطلبه من أخت أبي بكر" وربما كانت هذه الأخت أصغر من أبي بكر لأنها توفيت بعده.

    أما والداه، فمن المحتمل أنهما توفيا باكرا، إذ لم يرد لهما ذكر في أي من المصادر.
    أما عن زواجه ، فمن المرجح أن الرازي قد تزوج، حيث يذكر ابن العبري قصة عنه يرد فيها (205)! تدعي الكيمياء وقد حبستك زوجتك على عشرة دراهم "، ونستدل من نفس القصة على احتمال وجود خلافات بينهما، قد تكون أدن بهما إلى المحاكم وربما إلى الطلاق.

    وهكذا نستنتج أن عائلة الرازي كانت تسكن الري، وتتألف هذه العائلة من أخ وأخت، إضافة إلى أبي بكر نفسه، وقد تزوج أبو بكر الرازي، ولكن يدعونا ما ذكره ابن أبي أصيبعة (204) من بقاء مسوداته عند أخته إلى الظن أنه لم يخلف أولادا وربما انفصل عن زوجته أو توفيت زوجته قبله، كما أن أخته كانت تسكن معه، بحيث بقيت هذه المسودات عند أخته .

    أساتذته:
    لا نعرف الكثير عن أساتذة الرازي ، ويبدو أنه اعتمد في الطب على دراساته الخاصة، ومطالعاته للكتب الطبية التي سبقته.

    وتوجد روية تقول إنه درس الطب على يد علي بن سهل بن ربن الطبري، وقد وردت هذه الفكرة لدى ابن أبي أصيبعة في ترجمته لكل من حياة الطبري (206) والرازي (207).

    ولكننا نشك مع محقق كتاب جهاز مقالة لناصر خسرو- في أخذه الطب عن علي بن ربن الطبري هذا الذي اشتهر في زمن المعتصم (توفي سنة 228 هـ) والمتوكل (توفي سنة 247 هـ)، وقد توفي الطبري نفسه سنة 247 هـ (1 86 م) (8 20)، فلا يعقل أن يكون الرازي الذي ولد وفقا لأرجح الروايات سنة 1 25 هـ (5 86 م) قد درس عليه الطب، خاصة وأن الكتب القديمة تذكر أنه درس الطب في عمر متقدم.

    ونؤكد أن هذه الرواية لم تظهر قبل اسم ابن أبي أصيبعة، وهذا مؤثر يدل على ضعفه في الرواية، إذ لم يوردها ابن النديم في الفهرست ، سواء في ترجمته لحياة الطبري (209) أو الرازي (210). كما أنها تجب عن كتب هامة أخرى مثل طبقات الأمم (1!3) وطبقات الأطباء والحكماء (212) وتاريخ الحكماء (313)، وتاريخ حكماء الإسلام (214)، وكتب أخرى تالية (215).

    إذن فأول ، ما ظهرت هذه الرواية لدى ابن أبي أصيبعة، وأخذها عنه بعض المؤرخين المتأخرين التالين له مثل ابن خلكان (216) و الصفدي (217).

    ويذكر أر نولد (318) أنه درس في بغداد " على يد الأستاذ حنين بن إسحق ، الذي كان طبيبا متمرسا في الحكمة اليونانية والفارسية والهندية. لا ولم نر هذه الفكرة في أي من المصادر المتوفرة لدينا ولا نعرف من أين جاءت هذه الرواية، خاصة وأن حنين بن إسحق قد توفي سنة 264 هـ (878 م)، وكان عمر الرازي حينذاك 13 سنة، وهو في الري ، في حين قدم إلى بغداد وعمره أكثر من ثلاثين سنة .

    ويرد ذكر جابر بن حيان في كتاب الأسرار للرازي، فيقول عنه (219): " وأستاذنا جابر بن حيان.. " وينقل ابن النديم هذه الملاحظة فيقول (220) " والرازي يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة: قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان... " وكن بعض الدارسين الحديثين مثل كراوس وبينين (221) يعتقدون أن الرازي لم يكن مطلعا على مؤلفات جابر بن حيان في الكيمياء ، ولم يكن من تلاميذه فعلا، وأسلوبه مغاير تماما لأسلوب جابر بن حيان في الكيمياء.

    ويذكر (فهرست (222) أن الرازي تتلمذ في الفلسفة على البلخي ، ثم يتحدث عن هذا الأخير فيقول " هذا كان من أهل بلخ يطوف البلاد ويجوب الأرض، حسن المعرفة بالفلسفة والعلوم القديمة، وقد يقال إن الرازي ادعى في كتبه ذلك، ورأيت بخطه شيئا كثيرا في علوم كثيرة، مسودات ودساتير لم يخرج منها إلى الناس شيء تام، وقيل إن بخراسان كتبه موجوده وكان في زمان الرازي .

    وقد ذكر الفهرست أيضا (322) وجود كاتب يشابه منهجه في الفلسفة منهج الرازي، هو شهيد بن الحسن البلخي المكنى أبا الحسن، ويقول عنه الحموي في معجم البلدان (223) إنه كان أديبا شاعرا متكلما، ويذكر ابن النديم " أن بينهما مناظرات فلسفية "، ولا ندري هل كان أبو الحسن هذا زميلا للرازي في درساة الفلسفة عن البلخي ، أو أنهما اتفقا لا النظرة الفلسفية، والتقيا في مناظراتهما ومكاتباتهما فيما بعد فقط؟

    مناظراته:
    لقد حاور الرازي كثيرا من علماء عصره ، ومحص بعض الآراء السابقة له وطرح آراء جريئة في مختلف مجالات الفلسفة والإلهيات، وقد أثارت أفكاره جدلا كبيرا، بدأ في عصره واستمر في العصور التالية.

    وقد شملت مناظراته عددا من علوم عصره، بما فيها الطب والكيمياء والفلسفة والعلوم الإلهية والمنطق وغيرها. وهكذا فحين نتصفح فهارس الكتب القديمة، التي أوردت كتب الرازي، فإننا نجد فيها أسماء عدد كبير من العلماء الذين حاورهم الرازي أو ناقش آراءهم أو رد عليهم وجادلهم كما ترد فيها أسماء بعض الفرق الدينية أو الفلسفية.

    فإذا تصفحنا أسماء الكتب الواردة في عيون الأنباء مثلا، عند ترجمته للرازي (324)، فستصادفنا الأسماء التالية:

    سيسن المناني (225) والناشيء (326) والكندي (227) والجاحظ (228) والمعتزلة (229) وابن اليمان (230) وأحمد بن الطيب السرخسي (231) والمسمعي المتكلم (232) وجرير الطيب (233) وأبو القاسم البلخي (234) والحسن بن أسحق بن محارس القمي (235) وعلي بن شهيد البلخي (236) والكيال (237) وأهل الاعتزال (338) والبلخي (239) وعلى بن شهيد البلخي (240) ومنصور بن طلحة (241) وأبو القاسم بن دلف (342) وعلي بن وهبان (243) وابن أبي الساج (244) والراعي الأطروشي (245) والمسعودي (346) ويوسف بن يعقوب (247).

    وقد أثارت أراؤه في الإلهيات- بشكل خاص- أكبر عدد من هذه المناقشات والمناظرات، وخاصة لدى دعاة المذهب الإسماعيلي ، فقد ناقضه ابن اليمان وأبو حاتم الرازي في كتابه في الطب الروحاني، وناقضه شهيد البلخي في كتاب اللذة ، وأبو القاسم البلخي في كتابه في العلم الإلهي وابن اليمان والمسمعي المتكلم في أمر الهيولى، وغير ذلك من المناقضات التي بدأت في عصره واستمرت بعده (248).

    تلاميذه:
    لقد أثر الرازي فيمن حوله تأثيرا كبيرا، وقد كان له تلاميذ كثيرون، خاصة في مجال الطب، ولكننا لا نعرف عنهم شيئا كبيرا، ويبدو أن أحدا منهم لم ينبغ، فلم نسمع بهم أو نعرف عنهم.

    وإذا صح ما يذكره ابن النديم نقلا عن شيخ من الري، فقد كان لدى الرازي تدرج في تعليم طلابه الطب النظري، وفنون المعالجة العملية، بشكل يشبه التدرج الحالي في التدريب الطبي، حيث يقول ابن النديم (249) " وكان يجلس في مجلسه ودونه تلاميذه ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ آخرون، وكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من تلقاه، فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم، فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي في ذلك ".

    ولابد أن عددا كبيرا من الأطباء تتلمذ على يد الرازي، ودرس عنه الطب بهذه الطريقة، ويدلنا على ذلك ما ورد في عيون الأنباء عند شرحه كيف أن ابن العميد جمع كتاب الحاوي من مسودات الرازي بعد وفاته حيث يقول (20) " فجمع تلاميذه الأطباء الذين كانوا بالري، حتى رتبوا الكتاب، وخرج على ما هو عليه من الاضطراب .

    ويبدو أن شهرة الرازي العلمية والتدريسية في مجال الطب قد ذاعت، فأصبح طلاب الطب يقصدونه من مختلف الأماكن والأصقاع كما تذكر بعض الكتب مثل وفيات الأعيان (21) ومرآة الجنان (22) وغيرهما. ويرجح أن الرازي قد استقر بعد شهرته وذيوع صيته في الري وتفرغ في أواخر أيامه للتدريس والتأليف والمعالجة. وقد بلغ من ذيوع صيت الرازي أن ابن النديم يذكر أن رجلا قصده من الصين ليدرس عليه الطب باللغة العربية، ونقل عنه كتب جالينوس الستة عشرة (23).

    ويرد اسم أحد تلامذة الرازي في الطب في عيون الأنباء نقلا عن القاضي التنوخي حيث يقول (354) " قال ابن قارن الرازي ، وكان تلميذا لأبي بكر الرازي الطبيب في الطب ".

    كما يرد اسم آخر لأحد تلاميذه في عيون الأنباء عند ذكر أسماء كتب الرازي (2) حيث وجه الرازي إهداء أحد كتبه لهذا التلميذ وهو" يوسف بن يعقوب.

    كما يذكر الرازي اسم تلميذ آخر من تلاميذه في مقدمة كتابه سر الأسرار(256) حيث يقول إنه ألفه بناء على طلب هذا التلميذ وهو " يونس بن محمد " وكان يشتغل بالرياضيات والعلوم الطبيعية والمنطقية كما يذكر الرازي.

    وربما كان يحمي بن عدي أحد المشائين اليعاقبة، وقد درس الفلسفة على الرازي (257).

    الخاتمة:
    تميزت حياة الرازي بقلة بل ندرة المعلومات الثابتة المتعلقة بمختلف جوانبها، وما وصل إلينا من معلومات عنها كان غامضا وغير مجدد، ولكن تميز الرازي أيضا بتنوع وغني واتساع أعماله، مع شدة تأثيره في مجالات العلوم التي " طرقها والتي وصلت إلينا، خاصة في الطب والفلسفة والإلهيات وعلم الكيمياء.

    ونستطيع أن نذكر بفخر مساهمته في وضع الأسس العلمية التجريبية لعلم الكيمياء.
    كما أننا نستطيع من خلال دراستنا لأعماله الطبية (258) وصف الرازي بأنه أعظم أطباء عصره، وأن نضعه في صف أعظم الأطباء في تاريخ الطب بشكل عام.

    ملاحظات:
    ا- أسماء الكتب والمؤلفين الموجودة في الهوامش قد تكون موجودة بين المراجع العربية أو الأجنبية.
    2- في ترتيب المصادر اعتبرنا كلمة " ابن " ولم نعتبر (الـ ) التعريف.
    3- في الهوامش يشير الرقم الأول والثاني إلى الجزء والصفحة من الكتاب المطبوع وإلى الصفحة والسطر من الكتاب المخطوط.

    المراجع والمصادر

    أ- العربية:
    * المخطوطات:
    ا- رسالة " كتاب في الجدري والحصبة " ميكروفيلم عن مخطوطة لأيدن رقم 585- 590 .
    2- رسالة في الداء الخفي: ميكروفيلم عن مخطوطة إيران، مجلس شوراى رقم 4679.

    * ا لمطبوعات:
    أ- ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، تأليف أحمد بن قاسم بن خليفة السعدي المعروف بابن أبي أصيبعة، شرح وتحقيق الدكتور نزار رضا- منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت 1965 م.
    2- ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في معرفة أخبار ملوك مصر والقاهرة، تأليف ، جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي. مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة ط 1، 1351 هـ (1932 م).

    مؤلفات الرازي

    لقد سجل مؤرخو الطب والعلوم في العصور الوسطى آراء مختلفة ومتضاربة عن حياة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي ، ذلك الطبيب الفيلسوف الذي تمتاز مؤلفاته وكلها باللغة العربية ، بأصالة البحث وسلامة التفكير . وكان مولده في بلدة الري ، بالقرب من مدينة طهران الحديثة . وعلى الأرجح أنه ولد في سنة 251 هـ / 865 م . وكان من رأي الرازي أن يتعلم الطلاب صناعة الطب في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان ، حيث يكثر المرضى ويزاول المهرة من الأطباء مهنتهم . ولذلك أمضى ريعان شبابه في مدينة السلام ، فدرس الطب في بيمارستان بغداد . وقد أخطأ المؤرخون في ظنهم أن الرازي تعلم الطب بعد أن كبر في السن . وتوصلت إلى معرفة هذه الحقيقة من نص في مخطوط بخزانة بودليانا بأكسفورد ، وعنوانه " تجارب البيمارستان " مما كتبه محمد بن ببغداد في حداثته "، ونشر هذا النص مرفقا بمقتطفات في نفس الموضوع ، اقتبستها من كتب الرازي التي ألفها بعد أن كملت خبرته ، وفيها يشهد أسلوبه بالاعتداد برأيه الخاص .
    وبعد إتمام دراساته الطبية في بغداد، عاد الرازي إلى مدينة الري بدعوة من حاكمها، منصور بن إسحاق، ليتولى إدارة بيمارستان الري. وقد ألف الرازي لهذا الحاكم كتابه "المنصوري في الطب ثم "الطب الروحاني " وكلاهما متمم للآخر، فيخص.الأول بأمراض الجسم، والثاني بأمراض النفس. واشتهر الرازي في الري، ثم انتقل منها ثانيه إلى بغداد ليتولى رئاسة البيمارستان المعتضدي الجديد ، الذي أنشأه الخليفة المعتضد بالله (279- 289 م /892- 902 م). وعلى ذلك فقد أخطأ ابن أبي أصيبعة في قوله أن الرازي كان ساعورا للبيمارستان العضدي الذي أنشأه عضد الدولة (توفى في 372 هـ/973 م)، ثم صحح ابن أبي أصيبهة خطأه بقوله "والذي صح عندي أن الرازي كان أقدم زمانا من عضد الدولة ولم يذكر ابن أبي أصيبعة البيمارستان المعتضدي إطلاقا في مقاله المطول في الرازي .

    وتنقل الرازي عدة مرات بين الري وبغداد- تارة لأسباب سياسية- وأخرى ليشغل مناصب مرموقة لكل من هذين البلدين. ولكنه أمضى الشطر الأخير من حياته بمدينة الري ، وكان قد أصابه الماء الأزرق في عينيه، ثم فقد بصره وتوفى في مسقط رأسه أما في سنة 313هـ /925 م، وأما في سنة 320 هـ/ 932 م.


    ويتضح لنا تواضع الرازي وتقشفه في مجرى حياته من كلماته في كتاب "السيرة الفلسفية" حيث يقول: "ولا ظهر مني على شره في جمع المال وسرف فيه ولا على منازعات الناس ومخاصماتهم وظلمهم، بل المعلوم مني ضد ذلك كله والتجافي عن كثير من حقوقي. وأما حالتي في مطعمي ومشربي ولهوي فقد يعلم من يكثر مشاهدة ذلك مني أني لم أتعد إلى طرف الإفراط وكذلك في سائر أحوالي مما يشاهده هذا من ملبس أو مركوب أو خادم أو جارية وفي الفصل الأول من كتابه "الطب الروحاني "، " في فضل العقل ومدحه "، يؤكد الرازي أن العقل هو المرجع الأعلى الذي نرجع إليه ، " ولا نجعله، وهو الحاكم، محكوما عليه، ولا هو الزمام ، مزموما ولا، وهو المتبوع، تابعا، بل نرجع في الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه." .

    كان الطبيب في عصر الرازي فيلسوفا، وكانت الفلسفة ميزانا توزن به الأمور والنظريات العلمية التي سجلها الأطباء في المخطوطات القديمة عبر السنين وكان الرازي مؤمنا بفلسفة سقراط الحكيم (469 ق. م- 399 ق. م)، فيقول، أن الفارق بينهما في الكم وليس في الكيف. ويدافع عن سيرة سقراط الفلسفية، فيقول: أن العلماء إنما يذكرون الفترة الأولى من حياة سقراط، حينما كان زاهدا وسلك طريق النساك. ثم يضيف أنه كان قد وهب نفسه للعلم في بدء حياته لأنه أحب الفلسفة حبا صادقا، ولكنه عاش بعد ذلك معيشة طبيعية.

    كان الرازي مؤمنا باستمرار التقدم في البحوث الطبية، ولا يتم ذلك، على حد قوله، إلا بدراسة كتب الأوائل، فيذكر في كتابه "المنصوري في الطب " ما هذا نصه: "هذه صناعة لا تمكن الإنسان الواحد إذا لم يحتذ فيها على مثال من تقدمه أن يلحق فيها كثير شيء ولو أفنى جميع عمره فيها لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الإنسان بكثير. وليست هذه الصناعة فقط بل جل الصناعات كذلك. وإنما أدرك من أدرك من هذه الصناعة إلى هذه الغاية في ألوف من السنين ألوف، من الرجال. فإذا اقتدى المقتدي أثرهم صار أدركهم كلهم له في زمان قصير. وصار كمن عمر تلك السنين وعنى بتلك العنايات . وإن هو لم ينظر في إدراكهم، فكم عساه يمكنه أن يشاهد في عمره. وكم مقدار ما تبلغ تجربته واستخراجه ولو كان أذكى الناس وأشدهم عناية بهذا الباب. على أن من لم ينظر في الكتب ولم يفهم صورة العلل في نفسه قبل مشاهدتها، فهو وإن شاهدها مرات كثيرة، أغفلها ومر بها صفحا ولم يعرفها البتة" ويقول في كتابه " في محنة الطبيب وتعيينه "، نقلا عن جالينوس "وليس يمنع من عني في أي زمان كان أن يصير أفضل من أبوقراط " .

    كتب الرازي الطبية:

    يذكر كل من ابن النديم والقفطي أن الرازي كان قد دون أسماء مؤلفاته في " فهرست " وضعه لذلك الغرض . ومن المعروف أن النسخ المخطوطة لهذه المقالة قد ضاعت مع مؤلفات الرازي المفقودة. ويزيد عدد كتب الرازي على المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة الأخرى. ويتراوح حجمها بين الموسوعات الضخمة والمقالات القصيرة ويجدر بنا أن نوضح هنا الإبهام الشديد الذي يشوب كلا من "الحاوي في الطب " و "الجامع الكبير". وقد أخطأ مؤرخو الطب القدامى والمحدثون في اعتبار ذلك العنوانين كأنهما لكتاب واحد فقط، وذلك لترادف معنى كلمتي الحاوي والجامع.



    avatar
    dina
    مراقب
    مراقب

    الرتبة : مراقبة منتدى الإعدادي و الإبتدائي

    انثى

    مكان الإقامة : الجزائر

    العمر : 22

    المساهمات : 46

    التقييم : 5479

    السٌّمعَة : 2

    تاريخ التسجيل : 13/05/2010

    بيان ابن سينا

    مُساهمة من طرف dina في 2010-09-11, 23:53

    نبذة:
    هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، اشتهر بالطب والفلسفة، ولد في قرية (أفشنة) الفارسية سنة 370 هجرية وتوفي في همذان شنة 427 هجرية



    سيرته:


    هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، الملقب بالشيخ الرئيس، فيلسوف، طبيب وعالم، ومن عظام رجال الفكر في الإسلام ومن أشهر فلاسفة الشرق وأطبائه. ولد في قرية (أفشنة) الفارسية في صفر من سنة 370 هـ (سنة 980 م) من أم من أهل القرية وأب جاء من بلخ (أفغانستان حاليا). ثم انتقل به أهله إلى بخارى (أوزبكستان حاليا) ليدير أبوه بعض الأعمال المالية للسطان موح بن منصور الساماني. وفي بخارى ختم القرآن وهو ابن عشر سنين، وتعمق في العلوم المتنوعة من فقه وأدب وفلسفة وطب، وبقي في تلك المدينة حتى بلوغه العشرين. ويذكر أنه عندما كان في الثامنة عشر من عمره عالج السلطان نوح بن منصور من مرض حار فيه الأطباء، ففتح له السلطان مكتبته الغنية مكافأة له. ثم انتقل إلى خوارزم حيث مكث نحواً من عشر سنوات (392 - 402 هـ)، ومنها إلى جرجان فإلى الري. وبعد ذلك رحل إلى همذان وبقي فيها تسع سنوات، ومن ثم دخل في خدمة علاء الدولة بأصفهان. وهكذا أمضى حياته متنقلاً حتى وفاته في همذان، في شهر شعبان سنة 427 هـ (سنة 1037 م). قيل أنه أصيب بداء "القولنج" في آخر حياته. وحينما أحس بدنو أجله، اغتسل وتاب وتصدق وأعتق عبيده.

    ترك ابن سينا مؤلفات متعدّدة شملت مختلف حقول المعرفة في عصره، وأهمها:

    العلوم الآلية، وتشتمل على كتب المنطق، وما يلحق بها من كتب اللغة والشعر.

    العلوم النظرية، وتشتمل على كتب العلم الكلّي، والعلم الإلهي، والعلم الرياضي، والعلم الطبيعي.

    العلوم العملية، وتشتمل على كتب الأخلاق، وتدبير المنزل، وتدبير المدينة، والتشريع.

    ولهذه العلوم الأصلية فروع وتوابع، فالطب مثلاً من توابع العلم الطبيعي، والموسيقى وعلم الهيئة من فروع العلم الرياضي.

    كتب الرياضيات: من آثار ابن سينا الرياضية رسالة الزاوية، ومختصر إقليدس، ومختصر الارتماطيقي، ومختصر علم الهيئة، ومختصر المجسطي، ورسالة في بيان علّة قيام الأرض في وسط السماء. طبعت في مجموع (جامع البدائع)، في القاهرة سنة 1917 م.

    كتب الطبيعيات وتوابعها: جمعت طبيعيات ابن سينا في الشفاء والنجاة والإشارات، وما نجده في خزائن الكتب من الرسائل ليس سوى تكملة لما جاء في هذه الكتب. ومن هذه الرسائل: رسالة في إبطال أحكام النجوم، ورسالة في الأجرام العلوية، وأسباب البرق والرعد، ورسالة في الفضاء، ورسالة في النبات والحيوان.





    الزهرة عبر دائرة قرص الشمس

    كان لابن سينا ريادات في العديد من العلوم والفنون؛ ففي مجال علم الفلك استطاع ابن سينا أن يرصد مرور كوكب الزهرة عبر دائرة قرص الشمس بالعين المجردة في يوم (10 جمادى الآخرة 423 هـ = 24 من مايو 1032م)، وهو ما أقره الفلكي الإنجليزي "جير مياروكس" في القرن السابع عشر.


    صفحة من مخطوطة في الفلك

    واشتغل ابن سينا بالرصد، وتعمق في علم الهيئة، ووضع في خلل الرصد آلات لم يُسبق إليها، وله في ذلك عدد من المؤلفات القيمة، مثل:

    - كتاب الأرصاد الكلية.

    - رسالة الآلة الرصدية.

    - كتاب الأجرام السماوية.

    - كتاب في كيفية الرصد ومطابقته للعلم الطبيعي.

    - مقالة في هيئة الأرض من السماء وكونها في الوسط.

    - كتاب إبطال أحكام النجوم.

    ابن سينا العالم الجيولوجي

    وله أيضا قيمة في علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) خاصة في المعادن وتكوين الحجارة والجبال، فيرى أنها تكونت من طين لزج خصب على طول الزمان، وتحجر في مدد لا تضبط، فيشبه أن هذه المعمورة كانت في سالف الأيام مغمورة في البحار، وكثيرا ما يوجد في الأحجار إذا كسرت أجزاء من الحيوانات المائية كالأصداف وغيرها.

    كما ذكر الزلازل وفسرها بأنها حركة تعرض لجزء من أجزاء الأرض؛ بسبب ما تحته، ولا محالة أن ذلك السبب يعرض له أن يتحرك ثم يحرك ما فوقه، والجسم الذي يمكن أن يتحرك تحت الأرض، وهو إما جسم بخاري دخاني قوى الاندفاع أو جسم مائي سيّال أو جسم هوائي أو جسم ناري.

    ويتحدث عن السحب وكيفية تكونها؛ فيذكر أنها تولد من الأبخرة الرطبة إذا تصعّدت الحرارة فوافقت الطبقة الباردة من الهواء، فجوهر السحاب بخاري متكاثف طاف الهواء، فالبخار مادة السحب والمطر والثلج والطل والجليد والصقيع والبرد وعليه تتراءى الهالة وقوس قزح.

    ابن سينا عالم نبات

    وكان لابن سينا اهتمام خاص بعلم النبات، وله دراسات علمية جادة في مجال النباتات الطبية، وقد أجرى المقارنات العلمية الرصينة بين جذور النباتات وأوراقها وأزهارها، ووصفها وصفا علميا دقيقا ودرس أجناسها، وتعرض للتربة وأنواعها والعناصر المؤثرة في نمو النبات، كما تحدث عن ظاهرة المساهمة في الأشجار والنخيل، وذلك بأن تحمل الشجرة حملا ثقيلا في سنة وحملا خفيفا في سنة أخرى أو تحمل سنة ولا تحمل أخرى.

    وأشار إلى اختلاف الطعام والرائحة في النبات، وقد سبق كارل متز الذي قال بأهمية التشخيص بوساطة العصارة، وذلك في سنة 1353 هـ = 1934م.


    صورة من مخطوطة علمية إسلامية

    ابن سينا والأقرباذين



    وكان لابن سينا معرفة جيدة بالأدوية وفعاليتها، وقد صنف الأدوية في ست مجموعات، وكانت الأدوية المفردة والمركبة (الأقرباذين) التي ذكرها في مصنفاته وبخاصة كتاب القانون لها أثر عظيم وقيمة علمية كبيرة بين علماء الطب والصيدلة، وبلغ عدد الأدوية التي وصفها في كتابه نحو 760 عقَّارًا رتبها ألفبائيا.

    ومن المدهش حقا أنه كان يمارس ما يعرف بالطب التجريبي ويطبقه على مرضاه، فقد كان يجرب أي دواء جديد يتعرف عليه على الحيوان أولا، ثم يعطيه للإنسان بعد أن تثبت له صلاحيته ودقته على الشفاء.

    كما تحدث عن تلوث البيئة وأثره على صحة الإنسان فقال: "فما دام الهواء ملائما ونقيا وليس به أخلاط من المواد الأخرى بما يتعارض مع مزاج التنفس، فإن الصحة تأتي". وذكر أثر ملوثات البيئة في ظهور أمراض حساسية الجهاز التنفسي.

    الطبيب الإنسان

    بالرغم من الشهرة العريضة التي حققها ابن سينا كطبيب والمكانة العلمية العظيمة التي وصل إليها حتى استحق أن يلقب عن جدارة بأمير الأطباء، فإنه لم يسعَ يوما إلى جمع المال أو طلب الشهرة؛ فقد كان يعالج مرضاه بالمجان، بل إنه كثيرا ما كان يقدم لهم الدواء الذي يعده بنفسه.





    كان ابن سينا يستشعر نبل رسالته في تخفيف الألم عن مرضاه؛ فصرف جهده وهمته إلى خدمة الإنسانية ومحاربة الجهل والمرض.

    واستطاع ابن سينا أن يقدم للإنسانية أعظم الخدمات بما توصل إليه من اكتشافات، وما يسره الله له من فتوحات طبيبة جليلة؛ فكان أول من كشف عن العديد من الأمراض التي ما زالت منتشرة حتى الآن، فهو أول من كشف عن طفيل "الإنكلستوما" وسماها الدودة المستديرة، وهو بذلك قد سبق الإيطالي "دوبيني" بنحو 900 سنة، وهو أول من وصف الالتهاب السحائي، وأول من فرّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي، ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، مخالفا بذلك ما استقر عليه أساطين الطب اليوناني القديم.

    كما كشف لأول مرة عن طرق العدوى لبعض الأمراض المعدية كالجدري والحصبة، وذكر أنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحية الدقيقة في الماء والجو، وقال: إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدا لا تُرى بالعين المجردة، وهي التي تسبب بعض الأمراض، وهو ما أكده "فان ليوتهوك" في القرن الثامن عشر والعلماء المتأخرون من بعده، بعد اختراع المجهر.

    وكان ابن سينا سابقا لعصره في كثير من ملاحظاته الطبية الدقيقة، فقد درس الاضطرابات العصبية والعوامل النفسية والعقلية كالخوف والحزن والقلق والفرح وغيرها، وأشار إلى أن لها تأثيرا كبيرا في أعضاء الجسم ووظائفها، كما استطاع معرفة بعض الحقائق النفسية والمرضية عن طريق التحليل النفسي، وكان يلجأ في بعض الأحيان إلى الأساليب النفسية في معاجلة مرضاه.

    ابن سينا رائدا من رواد علم الجراحة

    وقد اتبع ابن سينا في فحص مرضاه وتشخيص المرض وتحديد العلاج الطريقة الحديثة المتبعة الآن، وذلك عن طريق جس النبض والقرع بإصبعه فوق جسم المريض، وهي الطريقة المتبعه حاليا في تشخيص الأمراض الباطنية، والتي نسبت إلى "ليوبولد أينبرجر" في القرن الثامن عشر، وكذلك من خلال الاستدلال بالبول والبراز.

    ويظهر ابن سينا براعة كبيرة ومقدرة فائقة في علم الجراحة، فقد ذكر عدة طرق لإيقاف النزيف، سواء بالربط أو إدخال الفتائل أو بالكي بالنار أو بدواء كاو، أو بضغط اللحم فوق العرق.

    وتحدث عن كيفية التعامل مع السهام واستخراجها من الجروح، ويُحذر المعالجين من إصابة الشرايين أو الأعصاب عند إخراج السهام من الجروح، وينبه إلى ضرورة أن يكون المعالج على معرفة تامة بالتشريح.

    كما يعتبر ابن سينا أول من اكتشف ووصف عضلات العين الداخلية، وهو أول من قال بأن مركز البصر ليس في الجسم البلوري كما كان يعتقد من قبل، وإنما هو في العصب البصري.

    وكان ابن سينا جراحا بارعا، فقد قام بعمليات جراحية ودقيقة للغاية مثل استئصال الأورام السرطانية في مراحلها الأولى وشق الحنجرة والقصبة الهوائية، واستئصال الخراج من الغشاء البلوري بالرئة، وعالج البواسير بطريقة الربط، ووصف بدقة حالات النواسير البولية كما توصل إلى طريقة مبتكرة لعلاج الناسور الشرجي لا تزال تستخدم حتى الآن، وتعرض لحصاة الكلى وشرح كيفية استخراجها والمحاذير التي يجب مراعاتها، كما ذكر حالات استعمال القسطرة، وكذلك الحالات التي يحذر استعمالها فيها.

    إسهاماته في مجال الأمراض التناسلية

    كما كان له باع كبير في مجال الأمراض التناسلية، فوصف بدقة بعض أمراض النساء، مثل: الانسداد المهبلي والأسقاط، والأورام الليفية.

    وتحدث عن الأمراض التي يمكن أن تصيب النفساء، مثل: النزيف، واحتباس الدم، وما قد يسببه من أورام وحميات حادة، وأشار إلى أن تعفن الرحم قد ينشأ من عسر الولادة أو موت الجنين، وهو ما لم يكن معروفا من قبل، وتعرض أيضا للذكورة والأنوثة في الجنين وعزاها إلى الرجل دون المرأة، وهو الأمر الذي أكده مؤخرا العلم الحديث




    كتاب عربي علم العالم


    غلاف كتاب القانون المترجم

    وقد حظي كتابه القانون في الطب شهرة واسعة في أوربا، حتى قال عنه السيد "وليم أوسلر": إنه كان الإنجيل الطبي لأطول فترة من الزمن.

    وترجمه إلى اللاتينية "جيرارد أوف كريمونا"، وطبع نحو 15 مرة في أوربا ما بين عامي 878هـ= 1473م، و906 هـ = 1500م، ثم أعيد طبعه نحو عشرين مرة في القرن السادس عشر.

    وظل هذا الكتاب المرجع الأساسي للطب في أوربا طوال القرنين الخامس والسادس عشر، حتى بلغت طبعاته في أوربا وحدها أكثر من 40 طبعة.

    واستمر يُدرَّس في جامعات إيطاليا وفرنسا وبلجيكا حتى أواسط القرن السابع عشر، ظل خلالها هو المرجع العلمي الأول بها.

    قانون ابن سينا للحركة والسكون

    أما في مجال الفيزياء فقد كان ابن سينا من أوائل العلماء المسلمين الذين مهدوا لعلم الديناميكا الحديثة بدراستهم في الحركة وموضع الميل القسري والميل المعاون، وإليه يرجع الفضل في وضع القانون الأول للحركة، والذي يقول بأن الجسم يبقى في حالة سكون أو حركة منتظمة في خط مستقيم ما لم تجبره قوى خارجية على تغيير هذه الحالة، فقد سبق ابن سينا إلى ملاحظة حركة الأجسام، واستنباط ذلك القانون الذي عبّر عنه بقوله: "إنك لتعلم أن الجسم إذا خُلي وطباعه ولم يعرض له من خارج تأثير غريب لم يكن له بد من موضع معين وشكل معين، فإذن له في طباعه مبدأ استيجاب ذلك".

    وهو بذلك سبق إسحاق نيوتن بأكثر من ستة قرون وجاليليو بأكثر من 5 قرون وليوناردو دافنشي بأكثر من 4 قرون؛ مما يستحق معه أن ينسب إليه ذلك القانون الذي كان له فضل السبق إليه: "قانون ابن سينا للحركة والسكون".

    كما ابتكر ابن سينا آلة تشبه الونير Vernier، وهي آلة تستعمل لقياس الأطوال بدقة متناهية.

    واستطاع بدقة ملاحظة أن يفرق بين سرعتي الضوء والصوت، وهو ما توصل إليه إسحاق نيوتن بعد أكثر من 600 سنة، وكانت له نظرياته في (ميكانيكية الحركة)، التي توصل إليها "جان بيردان" في القرن الرابع عشر، و(سرعة الحركة) التي بنى عليها "ألبرت أينشتين" نظريته الشهيرة في النسبية.

    ابن سينا في عيون الغرب

    حظي ابن سينا بتقدير واحترام العلماء والباحثين على مر العصور حتى قال عنه "جورج ساتون": "إن ابن سينا ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي".. "إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى".

    ويقول دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو".

    ويقول "أوبرفيل": "إن ابن سينا اشتهر في العصور الوسطى، وتردد اسمه على كل شفة ولسان، ولقد كانت قيمته قيمة مفكر ملأ عصره.. وكان من كبار عظماء الإنسانية على الإطلاق".

    ويصفه "هولميارد" بقوله: "إن علماء أوربا يصفون "أبا علي" بأنه أرسطو طاليس العرب، ولا ريب في أنه عالم فاق غيره في علم الطب وعلم طبقات الأرض، وكان من عادته إذا استعصت عليه مسألة علمية أن يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، ثم يعود إلى المسألة بعد الصلاة بادئا من جديد؛ فيوفق في حلها".

    ولا تزال صورة ابن سينا تزين كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن؛ تقديرا لعلمه واعترافا بفضله وسبْقه.




      الوقت/التاريخ الآن هو 2017-09-26, 08:36